ملفات
أخر الأخبار

الملاذ الرقمي…جغرافيا العتمة واقتصاد النجاة في السويداء.

بينما يلفُّ الظلام أزقة السويداء معلناً دورة تقنين قاسية، يضيء مصباح مكتبي صغير في زاوية إحدى الغرف، ليمنح الشابة سوارالعبدالله، 35 عاماً، مصممة غرافيك، فرصة لاستكمال مشروعها الفني الموجه لعميل في دول الخليج. هذا المشهد المتكرر ليس مجرد حالة فردية، بل هو تجسيد للملاذ الرقمي؛ الملاذ الذي اختاره جيل من الشباب في السويداء، ليس كترفيه، بل كخيار وجودي وحيد لمواجهة انهيار الوظائف التقليدية وتآكل الدخل. السويداء - تحقيق: علي الحسين

تقول سوار العبدالله في حديث للراصد: “أحياناً أشعر أنني أعيش في زمنين مختلفين؛ في الصباح أصارع لتأمين أبسط مستلزمات المعيشة في واقع مادي متعب، ومع حلول المساء، أفتح شاشة اللابتوب لأتحول إلى موظفة في شركة عن بعد. هذا المصباح الصغير الذي يضيء مكتبي ليس مجرد أداة إنارة، إنه بوابتي للنجاة من الانكفاء واليأس الذي يحيط بنا”.

في غرفٍ توصف أحياناً بالاستوديوهات المرتجلة، حيث تتناثر الكابلات والبطاريات بجانب شاشات الكمبيوتر، يكتب جيلٌ كامل من شباب السويداء فصلاً جديداً من تاريخ الصمود الاقتصادي. إنهم لا يواجهون البطالة فحسب، بل يواجهون البنية التحتية المتآكلة.

الشباب المعتمدون على العمل الرقمي 72% الشباب في مسارات تقليدية/أخرى 28%

 

لم يعد الحديث عن البطالة في السويداء يقتصر على ندرة فرص العمل في القطاع العام أو الخاص المحدود. لقد حدث تحول جذري في مفهوم القيمة الاقتصادية. الشهادات الجامعية، التي كانت يوماً ما بطاقة عبور للوظائف الحكومية، تلاشت قيمتها أمام التضخم الجامح الذي جعل الراتب الحكومي بالكاد يغطي تكاليف المواصلات.

مؤشرات التحول.

تشير التقديرات الميدانية التي أجرتها شبكة #الراصد، بناءً على تحليل تفاعلات المجموعات المهنية المحلية ومسح عينة من 100 شاب وشابة، إلى أن حوالي 72% منهم انتقلوا من انتظار الوظيفة إلى توليد الفرص. هذا الانتقال لم يكن خياراً ترفيهياً، بل هروباً إلى الأمام. المهارات المطلوبة اليوم ليست تلك التي تُدرس في القاعات الجامعية التقليدية، بل المهارات التي تفرضها السوق الرقمية العالمية؛ كالبرمجة، وإدارة منصات التواصل الاجتماعي، وصناعة المحتوى المرئي، والموشن جرافيك.

يؤكد يامن حرب، 28 عاماً، وهو مبرمج أنه لم يعد يهتم برؤية شهادته الجامعية معلقة على الجدار، فهي بالنسبة له مجرد ورقة للذكرى. اليوم، العميل في الخارج لا يسأل عن الجامعة، بل يسأل عن جودة الكود الذي يكتبه. مضيفاً: ” نسبة كبيرة من أصدقائي سلكوا هذا الطريق؛ لم ننتظر وظيفة حكومية لن نصل إليها، بل بنينا وظائفنا بأيدينا عبر تعلم مهارات مطلوبة عالمياً”.

إن هذا التوجه ليس مجرد موضة دارجة، بل هو استراتيجية بقاء. الشباب يدركون اليوم أن اتصالهم بالإنترنت هو حبل النجاة الوحيد الذي يربطهم باقتصاد العالم، وهو الخيط الوحيد الذي يمنعهم من السقوط في براثن العزلة الاقتصادية والاجتماعية.

التجهيز المطلوب التكلفة التقديرية (متوسط)
منظومة طاقة شمسية 1000 دولار
حاسوب تقني (لابتوب) 900 دولار

 

 

ضريبة البقاء.

في أي اقتصاد طبيعي، تُعتبر الكهرباء والإنترنت خدمات أساسية توفرها الدولة مقابل الضرائب. في السويداء، تحولت هذه الخدمات إلى سلع فاخرة باهظة الثمن، ووجب على الشاب المستقل أن يمتلك رأس مال تأسيسي ليدخل سوق العمل الرقمي.

تبلغ التكلفة التأسيسية للعمل وفق متوسط التقديرات السوقية المحلية لتركيب منظومة شمسية بين 300 و800 دولار للاستطاعات المتوسطة حيث بلغت أسعار المنظومات من استطاعة 680 واط، بطاريات جل/ليثيوم بسعة 200 أمبير، إنفرتر بقدرة 3000 واط) قرابة 500 دولار امريكي وفق استطلاع إلكتروني أجرته شبكة الراصد.

فيما تراوحت تجهيزات الحاسوب (لابتوب بمواصفات تقنية عالية لمعالجة الفيديو) بين 600 و 1,200 دولار أمريكي.
أما الإنترنت فتتراوح اشتراكات باقات الانترنت الفضائي بين 10 و 104 دولاراً شهرياً حسب السرعة والباقة وبحسب ماذا كان اللاقط هوائي مشترك أو صحن ستارلينك.

يوضح رامي الحلبي، تقني في تمديدات الطاقة البديلة للراصد؛ أن التكلفة التأسيسية التي يدفعها الشباب في السويداء لا تضاهيها تكلفة في أي مكان آخر. إنهم يشترون الحق في العمل. فحين يضع الشاب 500 دولار في منظومة شمسية و600 دولار في لابتوب، هو لا يستثمر في رفاهية، هو يشتري معدات نجاة. الغالبية العظمى من أرباحهم في المراحل الأولى للعمل تذهب حصراً لتسديد ثمن هذه المعدات أو صيانتها؛ مشيراً إلى أنهم فعلياً أمام اقتصاد يدور حول نفسه ليبقى حياً.

جغرافيا الألم.. الصراع مع التقنين والزمن.

تعد البنية التحتية هي العدو الأول للعمل الرقمي. فالعمل في السويداء يعني “إدارة أزمة” يومية. ففي لعبة الوقت يضطر 65% من الشباب إلى ممارسة العمل الليلي أو العمل في ساعات الفجر، ليس لزيادة الإنتاجية فحسب، بل لأن استقرار الشبكة والكهرباء في حال وجود طاقة شمسية تعتمد على سطوع الشمس حيث يرتبط ذلك بساعات محددة.

كما يؤدي فقدان عميل بسبب انقطاع مفاجئ في التيار أو تعثر في رفع ملف فيديو كبير الحجم لخسارة فرصة. ولقد وثقنا حالات عديدة لشباب وشابات خسروا/ن عقوداً بقيمة بسبب عطل مفاجئ في الانترنت. ومن هذه الحالات الشابة نادين،26 عاماً، وهي محررة فيديو، والتي قالت في حديثها للراصد: “هل يمكن التخيل أنني أضبط منبهي في الثالثة فجراً للبدء بالعمل؟ ليس لأنني أحب السهر، بل لأنني أضمن في هذا الوقت ثبات التيار الكهربائي وتوفر تغطية إنترنت معقولة. فقدتُ العام الماضي عقدي عمل عن بعد لأن ملفات الفيديو رفضت الرفع بسبب تذبذب الإنترنت. كل ضغطة إرسال لمشروع هي لحظة توتر لا توصف، وكأننا نلعب مع القدر”.

 

العمل في أوقات غير تقليدية (ليل/فجر) 65%
العمل في ساعات النهار التقليدية 35

 

وأمام هذا الضغط، أدرك الشباب أن الفردية في العمل هي مقتل. لتبدأ على إثر ذلك ملامح تجمعات مهنية غير رسمية بالظهور. كالمقاهي ومساحات الدراسة والعمل المجهزة لتتحول بعض هذه الأماكن في المدينة إلى مكاتب عمل مشتركة. حيث استثمر أصحاب هذه الأماكن في منظومات طاقة كبيرة الاستطاعة وخطوط إنترنت فضاىية او ضوئية مستقرة، مما خلق بيئة عمل للشباب مقابل رسوم اشتراك يومية أو شهرية.

كما طفت إلى السطح أيضا خلايا الإنتاج المشترك حيث يعمل بعض الشباب كفرق عمل متكاملة موزعين جغرافياً؛ فإذا انقطعت الكهرباء عن أحدهم، يتولى الآخر مهمة رفع الملفات. وهذا التضامن الاقتصادي يمثل النموذج الأكثر نجاحاً في تجاوز الأزمة.

الانعكاسات النفسية والاجتماعية.

العمل الرقمي في السويداء خلق “نمط حياة” مختلفاً. الشاب هنا يعيش في عالمين؛ عالم مادي متهالك يصارع فيه لتأمين أبسط الحقوق، وعالم رقمي يتفاعل فيه مع أسواق عالمية ويتقاضى أجوراً بالعملة الصعبة (في بعض الحالات). هذا التناقض يخلق فجوة نفسية؛ إذ يشعر الشاب أنه “مغترب في وطنه”، حيث لا يجد أدنى دعم محلي، بل يجد نفسه مطارداً بتكاليف وتحديات تجعل من مجرد “العمل” معجزة يومية.

 

مشاريع تم إنجازها بنجاح 42
مشاريع تم رفضها/تأجيلها بسبب ضعف البنية التحتية 58

وبالرجوع إلى تقارير منظمة العمل الدولية (ILO) حول اقتصاد المنصات الرقمية، يظهر بوضوح أن ما يحدث في السويداء هو نموذج متطرف لما يسمى اقتصاد الهشاشة. ففي الدول الأخرى، يطالب المستقلون بحقوقهم في التأمين الصحي والتقاعد. اما في السويداء، لا يطالب الشاب إلا بساعة كهرباء إضافية أو سرعة إنترنت مستقرة.
لذلك فإن إن غياب الحماية الاجتماعية يعني أن أي تلف في المعدات، أو وعكة صحية، تعني توقف الدخل تماماً. ولا توجد أي شبكة أمان، وهو ما يجعل هذا الملاذ الرقمي بيئة عمل غير مستقرة وآمنة تماماً.

هل يصمد هذا الملاذ؟

إن صمود الشباب في السويداء، وتطويعهم للموارد المحدودة لإنتاج قيمة مضافة، هو قصة إبداع في مواجهة الفناء. لكن هذا النموذج يواجه استحقاقاً حرجاً. فمع استمرار تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الطاقة، هل ستظل هذه المشاريع الرقمية مستدامة؟
سؤال يضعنا أمام الإجابة بأن الملاذ الرقمي ليس حلاً نهائياً، بل هو حل مؤقت لأزمة هيكلية. وإذا لم يتم دعم هذه المواهب ببيئة بنية تحتية مستقرة، فإنه يخشى من هجرة جديدة؛ هذه المرة لن تكون هجرة أجساد، بل هجرة عقول، حيث سيبحث هؤلاء الشباب عن أوطان توفر لهم الكهرباء ليعطوها الإبداع.

السويداء اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي مختبر لجيل يرفض الاستسلام، جيل قرر أن يكتب مستقبله بالحبر الرقمي، حتى لو كان ثمن ذلك هو السهر في العتمة. لذلك يتوجب على المؤسسات والمنظمات المدنية في السويداء دعم مساحات عمل مشتركة تقدم خدمات لهؤلاء الشباب باسعار مناسبة. وأيضاً إطلاق ورشات تدريبة احترافية على مهارات إدارة الأزمات وكيفية تسليم المشاريع في ظل ظروف تقنية سيئة. وإيجاد منصات وساطة تقوم بربط المستقلين بفرص عمل خارجية تضمن حقوقهم وتحميهم من الاستغلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى