
لم يكن “أبو ناصر” يتخيّل أن السنوات الطويلة التي أمضاها في بناء منزله الحجري وزراعة أرضه ستنتهي بخروجٍ عاجل تحت وطأة الخوف. الرجل السبعيني، الذي عاش في إحدى قرى ريف السويداء الغربي، وجد نفسه خلال أحداث تموز الأخيرة مضطراً لمغادرة منزله، وفي زحمة الخوف نسي أدويته وأوراقه الشخصية ونظاراته الطبية، تاركاً خلفه أرضاً يصفها بأنها “تعب العمر كله”.
اضطر مئات المسنين إلى النزوح من قراهم أثناء الاجتياح الذي نفذته قوات الأمن العام والجيش التابع للحكومة الانتقالية منتصف تموز الماضي، في مشهد مرير يصعب وصفه. فالتأقلم مع فقدان المنزل والاستقرار ومصادر الرزق دفعة واحدة، جعل الأجساد عاجزة عن ردع الأمراض المزمنة، وعدم القدرة على التكيف النفسي.
لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاعاً من حياة كاملة بُنيت على مدى عقود. فمعظم كبار السن في القرى يعتمدون على الزراعة أو تربية المواشي كمصدر دخل أساسي، كما ترتبط حياتهم اليومية بالأرض والبيت والعلاقات الاجتماعية المحيطة بهم.
أم فادي، وهي سيدة في أواخر الستينيات، تقول للراصد؛ إنها غادرت منزلها للمرة الأولى منذ زواجها قبل خمسين عاماً. وتضيف بصوت متعب: (كل شي بقي بالضيعة البيت، الصور، المونة، وحتى مقتنياتنا الشخصية)..
اليوم يعيش كثير من المسنين النازحين، في منازل أقارب أو مراكز استضافة مؤقتة تفتقر إلى الخصوصية والراحة، فيما يواجه آخرون صعوبة في الحركة أو الحصول على العلاج المناسب، خاصة مع انتشار الأمراض المزمنة والحاجة المستمرة إلى الرعاية الصحية والأدوية.
أحد المزارعين المسنين يختصر حجم الخسارة بالقول: “الأرض كانت الأمان”. ويوضح أن فقدانها لا يعني خسارة مصدر دخل فحسب، بل فقدان الشعور بالاستقلال والاستقرار الذي ارتبط بحياتهم لسنوات طويلة.
يؤكد المعالج النفسي مازن النصار في حديثه مع #الراصد؛ أن النزوح المفاجئ يترك آثاراً نفسية قاسية على كبار السن، موضحاً أن المسن يعتمد بشكل كبير على الاستقرار المكاني بوصفه جزءاً أساسياً من توازنه النفسي.
ويقول النصار إن فقدان “المكان الآمن” يدفع كثيراً من المسنين إلى حالة من القلق الدائم والشعور المستمر بالتهديد، حتى داخل البيئات الآمنة نسبياً. كما تتكرر لديهم مشاعر الحزن العميق، والاقتلاع، والخوف من المستقبل، إضافة إلى الإحساس بفقدان المعنى بعد خسارة ما أمضوا سنوات طويلة في بنائه.
ويشير إلى أن خسارة المنزل والأرض تُعد بالنسبة لكثير من كبار السن “فقداً وجودياً”، لأن المكان بالنسبة لهم ليس مجرد ممتلكات، بل ذاكرة وهوية وتاريخ شخصي. لذلك، فإن استعادة التوازن النفسي يحتاج إلى دعم مستمر يركّز على تعزيز شعورهم بالقيمة والإنجاز، وتشجيعهم على رواية قصصهم وتجاربهم الحياتية.
كما يلفت إلى أن فقدان الروتين اليومي والعلاقات الاجتماعية يزيد من أعراض القلق والاكتئاب، ويؤدي إلى شعور بالعزلة وفقدان الانتماء، خاصة لدى من اضطروا إلى الانتقال إلى مراكز إيواء أو منازل مؤقتة.
لا يتحدث المسنون النازحون عن خسارة مادية فقط، بل عن خوف من ضياع الذاكرة المرتبطة بالمكان. فالقرية بالنسبة لهم ليست مجرد بيوت وأراضٍ، بل تاريخ شخصي وعلاقات عمر وبيوتاً يعرفونها حجراً حجراً.
يقول أبو ناصر، وهو يتأمل صور منزله المحفوظة في هاتف حفيده، بحزن: “كنا نعتقد أننا سنموت في بيوتنا، لا أن نخرج منها بهذه الطريقة”.
ويحذر مختصون من أن استمرار النزوح قد يحوّل معاناة كبار السن إلى أزمة طويلة الأمد، في ظل ضعف الإمكانيات الاقتصادية وصعوبة إعادة بناء ما خسرته العائلات خلال فترة قصيرة.
و بحسب النصار، فإن احتياجات المسنين النازحين لا تقتصر على المساعدات المعيشية، بل تشمل أيضاً الدعم النفسي والاجتماعي، والحفاظ على شعورهم بالكرامة والاستقلالية.
ويؤكد أن الدعم النفسي لا يقل أهمية عن الغذاء والدواء، لأنه يخفف من احتمالية تطور الاضطرابات النفسية المزمنة، ويساعد كبار السن على التكيف مع واقعهم الجديد. كما يشدد على أهمية دور العائلة في الاستماع للمسنين وإشراكهم في القرارات اليومية، وتجنب التعامل معهم بوصفهم أشخاصاً عاجزين.
ويضيف أن تعزيز شعور المسن بالقيمة يمكن أن يبدأ من تفاصيل بسيطة، مثل منحه دوراً داخل الأسرة، واحترام رأيه، والحفاظ على استقلاليته قدر الإمكان.
في السويداء، تبدو معاناة المسنين اليوم أكبر من مجرد خسارة منازل أو أراض زراعية؛ إنها خسارة للإحساس بالأمان الذي عاشوا لأجله سنوات طويلة. وبينما تستمر تداعيات النزوح، يبقى كبار السن من أكثر الفئات هشاشة واحتياجاً إلى الرعاية والاهتمام، خوفاً من أن تتحول خسارتهم المؤقتة إلى اقتلاع دائم من ذاكرة المكان والحياة.



