
الراصد
رائحة الورق المحترق لم تفارق ذاكرة “سليمى” (18 عاماً)، وهي ترتب ما تبقى من دفاترها الممزقة التي أنقذتها بصعوبة من تحت ركام غرفته التي أحرقتها قوات الحكومة الانتقالية إبان الهجمات التي شنتها في تنوز الماضي. لم يكن استئناف الدراسة بالنسبة لها، وللآلاف من أقرانها في محافظة السويداء، مجرد عودة روتينية إلى مقاعد الدراسة، بل كان تحدياً للبقاء وإثباتاً للوجود. فبعد الهجوم العنيف الذي طال قراهم وأحياءهم، فقد العديد منهم منازلهم، وودعوا رفاقاً وعائلات، ليجدوا أنفسهم مضطرين للبدء من “نقطة الصفر”، مسلحين بكتب مستعارة وعزيمة صلبة لانتزاع حقهم في التعليم.
يقول كرم،19 عاماً، لـ #الراصد؛ إنه كان يجلس في قاعة الامتحان بمدينة السويداء، وعينه ترقب عدسة كاميرا المراقبة المثبتة في زاوية الغرفة. كان يدرك أن هذه الكاميرا ليست مجرد أداة لضبط القاعة، بل شاهده الوحيد أمام العالم ليثبت نزاهة امتحانه وحقه المشروع في نيل شهادة ثانوية معترف بها، تفتح له أبواب المستقبل الذي كاد أن يحترق.
ولا يقتصر هذا التحدي على سليمى و كرم وحدهما، بل ينسحب على آلاف الطلاب في المحافظة. إذ تُقدر الإحصاءات التربوية عدد طلاب الصف الثالث الثانوي (البكالوريا) في السويداء بنحو 6200 طالب وطالبة، وجدوا أنفسهم فجأة أمام مصير مجهول ومستقبل معلق بانتظار قرار ينصف جهودهم ويضمن عدم ضياع تعبهم الأكاديمي، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن نزوح آلاف الطلاب وتضرر البنية التحتية التعليمية.
امتحانات استثنائية في ظروف قاهرة
يمر المشهد التعليمي في السويداء بمنعطف تاريخي ومعقد. ففي منتصف تموز/يوليو الماضي، توقفت عجلة امتحانات الشهادة الثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي بشكل قسري إثر الأحداث الأمنية الدامية التي عصفت بالمحافظة. هذا التوقف لم يكن مجرد تأجيل لتواريخ على التقويم، بل كان تعليقاً لمصائر آلاف الشبان والشابات الذين أمضوا عاماً كاملاً في التحضير تحت وطأة ضغوط نفسية ومعيشية هائلة.
وبعد أشهر من الترقب، قررت مديرية التربية في السويداء استئناف العملية الامتحانية بشكل محلي وداخل حدود المدينة فقط لضمان أمن الطلاب. هذا القرار، رغم ضرورته، فرض أعباء إضافية على الطلاب القاطنين في القرى والبلدات النائية، مما استدعى استجابة مجتمعية لافتة؛ حيث تداعت الفعاليات الأهلية والجمعيات المحلية والمبادرات الفردية لتأمين وسائل نقل مجانية للطلاب، في مشهد يعكس تضامناً اجتماعياً عميقاً وإيماناً بأن “معركة التعليم” هي معركة مجتمع بأكمله.
التحدي الأكبر الذي واجه هذه الامتحانات لم يكن لوجستياً فحسب، بل تمثل في “الشرعية الأكاديمية”. ففي ظل غياب التنسيق المعلن مع وزارة التربية في العاصمة دمشق، والتي لم تصدر حتى الآن أي موقف رسمي يتبنى هذه الدورة الامتحانية الاستثنائية، بات شبح “عدم الاعتراف” يلاحق الطلاب ويهدد آمالهم بالالتحاق بالجامعات.
ولسد هذه الفجوة وبناء حجة قانونية وأخلاقية قوية، اتخذت مديرية التربية في السويداء إجراءات رقابية غير مسبوقة. وكما أوضح مصدر من المديرية لـ #الراصد، فقد تم تزويد المراكز الامتحانية بكاميرات مراقبة متصلة بشاشات عرض محلية، وتقوم بتسجيل كامل مجريات الامتحان على ذواكر داخلية تُفرّغ يومياً. الهدف من هذا الإجراء الصارم والموثق بالفيديو هو تقديم دليل مادي قاطع على نزاهة العملية الامتحانية وشفافيتها، ليكون ورقة ضغط رابحة تُستخدم لاحقاً لانتزاع الاعتراف بالشهادات الصادرة عن هذه الدورة، سواء من المؤسسات الرسمية الداخلية أو الجهات الأكاديمية الخارجية.
وترافقت هذه الإجراءات التقنية مع توجه المديرية نحو الاستقلالية الرقمية، من خلال إطلاق تطبيق “السويداء التعليمية” لتسهيل وتسريع إعلان النتائج فور الانتهاء من التصحيح، في محاولة لتبسيط الإجراءات وتجاوز البيروقراطية المركزية.
جدلية الحقوق والأولويات
تتجاوز مسألة الاعتراف بشهادات طلاب السويداء البعد الإداري لتلامس وتراً حساساً في الوجدان المحلي. ففي أوساط الأهالي والمجتمع المحلي، يسود شعور بالمرارة تجاه ما يصفونه بـ “المفارقات غير العادلة”. فبينما يُطالب هؤلاء الشبان، الذين تحدوا الموت والدمار، بإثبات جدارتهم للحصول على حقهم البديهي في شهادة ثانوية، تنتشر في المقابل ظواهر حصول بعض الموالين للحكومة الانتقالية في دمشق على شهادات فخرية أو تولي شخصيات بمؤهلات تعليمية متواضعة (لا تتعدى الابتدائية أو الإعدادية) لمناصب حساسة في السلك الدبلوماسي أو المؤسسات الحكومية والعسكرية.
هذا التناقض جعل من مطلب الاعتراف بالشهادة “قضية كرامة” وإنصافاً لشريحة اختارت العلم والمعرفة كطوق نجاة وحيد، بدلاً من الانجرار خلف الفوضى التي خلفتها الأزمات.
مرحلة الحسم: بين التطمينات والاحتجاجات
بعد إعلان النتائج وحتى اليوم، بلغت حالة القلق ذروتها بين صفوف الطلاب. هذا الاحتقان تُرجم إلى دعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم وقفة احتجاجية في مدينة السويداء للمطالبة بتوضيح صريح ونهائي لمصيرهم التعليمي.
وفي استجابة لامتصاص الغضب وتوضيح مسار الأمور، أعلن المكتب الإعلامي لمديرية تربية السويداء في 18 آذار/مارس أن ملف الاعتراف بالشهادة الثانوية لدورة 2025 قد وصل إلى “مراحله النهائية”. وأكد عبر حساب المديرية على فيسبوك أن هذا التقدم جاء ثمرة تواصل ومتابعات حثيثة مع الجهات المختصة والمنظمات الدولية ذات الصلة، مشيراً إلى أن إجراءات الاعتماد باتت في طورها الأخير.
في المقابل، أنكرت وسائل إعلامية ومنصات أخرى، على لسان مصادر من المديرية، تصريحات المكتب الإعلامي للمديرية، الأمر الذي زاد وتيرة الخوف لدى الطلاب من ضياع مستقبلهم.
وبينما تنتظر محافظة السويداء الحسم النهائي في هذا الملف الشائك، يعمل “كرم” في بسطة لبيع الخضار في مدينة السويداء، ليعيل ذويه ويؤمن القليل من المال للمعيشة، على أمل أن تمر هذه الأيام ويستطيع التسجيل بالجامعة بناء على شهادته الثانوية. فبالنسبة له ولآلاف الطلاب، تلك الشهادة هي ثمرة جهد وتعب، ومسيرة مُغمسة بالألم والقهر والضياع الذي تسببت به هجمات عناصر الحكومة المؤقتة وقوات العشائر.
إن الاعتراف بشهادات هؤلاء الطلاب اليوم يتجاوز كونه قراراً إدارياً روتينياً؛ بل هو اعتراف بانتصار إرادة الحياة، وإقرار بأن من يبني مستقبله من تحت الرماد، هو الأحق بحمل راية الغد.



