
حصد الفنان مجيد جمول، ابن السويداء، جائزة “سيبريان كميل نورفيد” للفنون التشكيلية، عن معرضه الفردي “تسامي المشاعر” الذي استضافه متحف مازوفيا في مدينة بووتسك البولندية، ضمن الدورة الخامسة والعشرين للجائزة التي يمنحها إقليم مازوفيا.
ويأتي هذا التكريم تتويجاً لمسيرة فنية امتدت عقوداً، تنقّل خلالها جمول بين النحت وفن الميداليات والغرافيك، حاملاً ذاكرته السورية إلى فضاء فني أوروبي، من دون أن يتخلى عن جذوره الثقافية.
ويُعد جمول أول فنان من أصول عربية ينال هذا التكريم.
لكن المعرض، بالنسبة إلى صاحبه، يتجاوز حدود الاحتفاء بتجربة فنية؛ فهو محاولة لتحويل الألم والخوف إلى أمل، واستعادة الصلة بين مكانين شكلا وجدانه؛ قريته ريمة حازم في ريف السويداء، ووارسو التي أصبحت موطنه منذ عقود.
وفي حديثه مع #الراصد، يستعيد جمول بدايات علاقته بالفن، حين كان طفلاً يتلمس الأحجار البازلتية والآثار المبعثرة في أزقة قريته. لم يكن يدرك آنذاك معنى التاريخ أو الذاكرة، لكنه كان يشعر بجمال تلك القطع وخصوصيتها.

يقول: “لم يكن فضولاً طفولياً، بل نوعاً من الإعجاب والرغبة في الامتلاك”. ويضيف أنه كان يلمس سطوح الآثار برفق الاستكشاف والاحترام، مستمتعاً بجمالها، معتبراً أن الحساسية الفطرية تجاه الجميل هي إحدى البدايات التي تتشكل منها الموهبة.
غير أن إدراكه لدور الفن ورسالته لم يتبلور إلا بعد التحاقه بمركز الفنون التشكيلية في دمشق عام 1964، ثم دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة بوارسو. هناك، كما يوضح، «اكتشف أن الفن ليس مجرد مهارة أو زينة، بل فكر ورؤية يستندان إلى الثقافة والتاريخ والفلسفة والحضارة، ويسهمان في حفظ القيم ونقلها إلى الأجيال».
وعن تجربته الممتدة بين سوريا وبولندا، يرفض جمول فكرة التحرر من تأثير المكان والهوية، معتبراً أن كليهما يظل جزءاً من البنية الفكرية والروحية للفنان، ويتسلل إلى إبداعه بصورة طبيعية.
يقول جمول: «أنا ابن ريف السويداء، وابن الثقافة والمفاهيم والقيم الحياتية لأبنائها، وأعتز بهذا الانتماء». موضحاً أنه؛ لم يسعَ إلى الابتعاد عن جذوره، بل إلى بناء مشروعه الفني الخاص، مستلهماً التراث الوطني ومنجزات الحضارات الأخرى، وإعادة صياغتها بلغة معاصرة وشخصية.
أما عن وارسو، التي وصفها في حديث سابق بأنها “بيته الحقيقي”، فلا تعني له مجرد مكان للإقامة، بل البيئة التي تتيح للإنسان حرية التعبير والعمل والتطور، وتحتضن قدراته ومواهبه. ويرى أن هذه الحرية، إلى جانب الجهد والإصرار، تشكل شروطاً أساسية لاستمرار العطاء الفني.
ويجد جمول تقاطعاً بين تجربته وتجربة الشاعر والفنان البولندي سيبريان كميل نورفيد، الذي عاش أسئلة الانتماء والمنفى. فالحصول على جائزة تحمل اسمه يكتسب، بالنسبة إليه، معنى يتجاوز التقدير المهني، ويلتقي مع فكرة أن الفنان يحمل وطنه في داخله أينما ارتحل، وأن الفن قادر على تحويل ألم الفراق إلى رسالة إنسانية تتخطى الحدود.
ولا يرى جمول أن وظيفة النصب التذكاري تقتصر على تسجيل حدث تاريخي أو سياسي، بل تتجاوزه إلى إبراز القيم التي ينطوي عليها، وإبقاء معانيها حاضرة في الحياة اليومية للأجيال المتعاقبة.
ويؤكد إن مسؤولية الفنان تتضاعف عندما يُعرض عمله في فضاء عام، لأنه يصبح جزءاً من ذاكرة المدينة ومجتمعها، ويخاطب جمهوراً واسعاً ومتنوعاً، لا يقتصر على زوار الصالات الفنية.
ويتمثل هاجسه الأساسي في أن يمتلك العمل قيمة فنية قادرة على الصمود بمرور الزمن، بعيداً عن ارتباطه بحدث آني أو موضوع خلافي. فالنصب، في رأيه، يستمد أهميته من ابتكاره الشكلي ومضامينه ورموزه، ومن قدرته على مخاطبة أجيال لم تعاصر الحدث الذي يجسده.
وتتخذ هذه الأفكار بعداً شخصياً مؤلماً حين يتحدث عن “ريمة حازم”، القرية التي بقيت حاضرة في ذاكرته رغم سنوات الاغتراب، وما تعرضت له من حرق وتخريب ومقتل عدد من أبنائها وتهجير آخرين.
ويشير جمول إلى إن ما جرى ترك في داخله «شرخاً لا أستطيع تحديده»، وغير نظرته إلى الوجود والانتماء والقيم التي آمن بها. ويضيف أن وقع ما حدث كان قاسياً إلى درجة أفقدته الرغبة في متابعة عمله النحتي لفترة، بعدما شعر بأن المكان الذي اختزن طفولته وذاكرته قد انهار أمامه.
وكان جمول قد غادر سوريا مهاجراً عام 2003، لكنه يؤكد أن الهاجس الوطني ظل محوراً أساسياً في أعماله. ومع انطلاق الثورة السورية، أنجز أعمالاً نحتية وميداليات تناولت المأساة السورية وقيم الحرية والأمل، مستلهماً رمز طائر الفينيق الذي ينهض من رماده.
«بعد حرق ريمة، انتابني الشعور بأنه احترق آخر ما تبقى من طائر الفينيق.. لكن الأمل لم يحترق وسينهض من رماده، ما زلت هكذا أؤمن».
ويكشف أن فكرة إنجاز نصب تذكاري يخلّد ما تعرضت له قريته لا تزال حاضرة في ذهنه، وإن لم يضع لها مخططاً أو مجسماً حتى الآن، معرباً عن أمله في أن تتاح له الفرصة لإنجاز هذا العمل.
يذكر أن مجيد جمول تولد عام 1948 في قرية ريمة حازم غربي مدينة السويداء. ومنذ طفولته، أظهر ميلاً إلى الرسم والتشكيل، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى جرمانا، ويتابع دراسته في دمشق.
التحق عام 1964 بمركز الفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة، حيث درس الرسم والتصوير والنحت، وتتلمذ على أيدي فنانين سوريين. ثم أوفد إلى بولندا لدراسة النحت في أكاديمية الفنون الجميلة بوارسو، التي تخرج فيها عام 1975 حاصلاً على درجة الماجستير بامتياز.
بعد عودته إلى سوريا، درّس الفنون الجميلة والنحت، وعمل محاضراً في كلية الفنون الجميلة بدمشق، كما تولى إدارة مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية بين عامي 1981 و1990، وشغل مناصب نقابية في اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا. وفي عام 1987، حصل على منحة بحثية من هيئة التبادل الأكاديمي الألمانية (DAAD)، قبل أن يستقر لاحقاً في وارسو ويواصل نشاطه الفني والأكاديمي.
امتدت تجربته إلى عشرات المعارض والملتقيات الدولية، وبرزت أعماله في النحت والميداليات والغرافيك، إلى جانب إنجازه عدداً من النصب والجدرانيات التذكارية في سوريا وخارجها. كما دخلت أعماله مجموعات فنية ومتحفية، من بينها مقتنيات المتحف البريطاني في لندن ومؤسسات ثقافية في ألمانيا وبولندا وسواهما.
من ريمة حازم التي تشكّلت فيها ذاكرته الأولى، إلى وارسو التي احتضنت جانباً واسعاً من تجربته، تبدو مسيرة جمول محاولة مستمرة للجمع بين الذاكرة والحداثة، وبين الانتماء والانفتاح. أما جائزة نورفيد، فلا تختصر هذه المسيرة بقدر ما تفتح نافذة جديدة على مشروع الفنان الذي لا يزال يرى في الفن وسيلة لحفظ الذاكرة، ومقاومة النسيان، والإيمان بإمكان النهوض من جديد.



