التحريض كجريمة استباقية: السويداء واختبار القانون الدولي لمنع أي عنف محتمل

ثمّة ما يستدعي الانتباه إلى نمط الخطاب التحريضي المتصاعد ضد السويداء حالياً، والتوقف بجدية عند بنيته التسلسلية القائمة على تصدير مجموعة من السرديات بوصفها حقائق واقعية تُبنى عليها استنتاجات أمنية وعسكرية مسبقة. لا يمكن اختزال هذا النهج في إطار التباينات السياسية أو التجاذبات الإعلامية العابرة، إذ يتقاطع بنيوياً مع منظومة التحريض السياسي والمذهبي التي مهدت للانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين في السويداء خلال تموز 2025.
بقلم: د. غياث الصفدي
(محامٍ وأكاديمي مختص في القانون الجنائي الدولي)
تكمن المسألة الجوهرية هنا ليس فقط في اتساع رقعة العداء الخطابي، بل في توظيف تلك السرديات لمنح “مشروعية مسبقة” لأي عنف جماعي لاحق بوصفه استجابة دفاعية وضرورة أمنية.
من التحريض المباشر إلى هندسة الوعي الجمعي
في نيسان 2025، انطلق الخطاب التحريضي ضد السويداء عبر مسارين متوازيين: أولهما تحريض ديني استهدف تصوير المكون الدرزي كخصم استناداً إلى هويته العقدية، ما غذّى الاستقطاب والكراهية الطائفية؛ وثانيهما سياسي، أعاد تأطير مطالب المجتمع المحلي بالحفاظ على خصوصيته وإدارته لشؤونه على أنها تهديد للاستقرار ووحدة البلاد.
أسهم هذان المساران في إعادة تشكيل الوعي الجمعي لرؤية السويداء كمصدر خطر داهم، ما أفضى بالنتيجة إلى تعبئة عسكرية واسعة تجلّت في حشد مقاتلين عشائريين إلى جانب قوات السلطة الانتقالية في الهجوم الذي استهدف السويداء في تموز 2025.
واليوم، تعود ملامح المنهج ذاته بآلياته الدقيقة: تحويل المطالب السياسية إلى بواعث تهديد، وتوظيف التمايز الديني كأداة استقطاب، وصولاً إلى بناء تصوّر عام يُجرّد أبناء السويداء من توصيفهم كمجتمع ذي مطالب ومخاوف مشروعة، وإعادة تقديمهم كمعضلة أمنية تستوجب الحسم؛ وهو تحديداً ما يوفر لأي تصعيد عسكري محتمل غطاءً تبريرياً مسبقاً.

تفكيك السرديات التحريضية: فزاعة “احتلال درعا”
تواترت مؤخراً مزاعم تفتقر إلى أي إسناد توثيقي تدّعي إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية في السويداء وتمرير عتاد حربي إليها. وفي السياق ذاته، ظهر تسجيل مصور لمجموعة تُعرّف نفسها بالانتماء إلى إحدى قبائل درعا، تعلن فيه تأييدها للسلطة الانتقالية وتُطلق تهديدات باجتياح السويداء تحت شعارات “فرض النظام وتثبيت الحكم”.
تكتسب هذه التهديدات خطورتها بموازاة ترويج شائعات عن نية قوات الحرس الوطني في السويداء التقدم نحو درعا، ما يكشف الصلة الوثيقة بين التعبئة الخطابية والتهيئة الميدانية. وإن خطورة هذه الدعاية تكمن في قلب الحقائق؛ إذ تحيل الضحية التي تطالب بالحماية الدولية والعدالة ومحاسبة الجناة إلى مصدر تهديد وهجوم.
كما تعمل هذه المنظومة على حرف الأنظار عن ملاحقة المتورطين في الانتهاكات السابقة نحو استعداء المطالبين بالمحاسبة. ويُظهر التحليل التقني للسجل الزمني وتتبع المضامين على منصات التواصل أننا لسنا أمام تفاعلات عفوية، بل أمام بنية شبكية منظمة تتبادل تدوير السردية وتضخيمها لإكسابها مشروعية زائفة عبر التكرار والتزامن المدروس.

توظيف ملف المخدرات: التجريم الجماعي كأداة نزع للشرعية
جاءت تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك مؤخراً، والتي ربط فيها تسليح المكون الدرزي بإنتاج وتجارة مادة “الكبتاغون”، لتثير إشكالية قانونية وسياسية بالغة الخطورة تتصل بالاستدلال والاتهام التعسفي. فالواقع الجغرافي والاقتصادي، في ظل الحصار المفروض على السويداء منذ أكثر من عام، يُسقط تلقائياً فرضية وجود سلاسل إمداد أو قدرة على استيراد السلائف الكيميائية وتصنيعها وتهريبها نحو الأراضي الأردنية.
في المقابل، تؤكد تقارير صحفية موثقة استمرار عمليات تهريب المخدرات والسلاح في البادية الشرقية للسويداء وفي مناطق بمحافظة درعا الخاضعة لسيطرة السلطة الانتقالية، ومن بينها شخصيات بارزة في شبكات التهريب المنظمة التي نشطت قبل سقوط النظام السابق وبعده، وارتبطت مساراتها اللوجستية بتهريب السلاح عبر الحدود.
إن استعادة هذه الاتهامات وتعميمها لا تهدف فقط إلى تشويه مجتمع محاصر يفتقر متهموه إلى الدليل، بل تؤدي وظيفة سياسية وأمنية تستهدف تجريد المجتمع المحلي من شرعية قضاياه، وتحويله في المتخيل الإقليمي والدولي إلى “بؤرة خارجة عن القانون”، لتسهيل تمرير أي استهداف عسكري قادم بحقه تحت لافتة “مكافحة الجريمة المنظمة”.

المسؤولية الدولية وموجبات التدخل المبكر لمنع العنف
أمام هذا التماثل الصريح بين نمط التحريض الحالي وذلك الذي مهد لكارثة تموز 2025، تقع على عاتق لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا وسائر الهيئات الحقوقية الأممية مسؤولية رصد هذه الخطابات وتوثيقها وتحليلها بوصفها مؤشرات إنذار مبكر لجرائم عنف جماعي وشيكة.
ومن المنظور القانوني الدولي، تشكل هذه الممارسات خرقاً صريحاً لالتزامات الدول بموجب الفقرة الثانية من المادة (20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر بشكل قاطع أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية متى ما شكلت تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.

إن واجب المجتمع الدولي القانوني والأخلاقي لا يقتصر على التحقيق في المجازر بعد وقوعها وإحصاء الضحايا، بل يفرض التدخل الوقائي العاجل لنزع فتيل الخطاب التبريري المُمَهِّد لها. فالعدالة الوقائية تبدأ من مساءلة وتفكيك الخطابات التي تسعى لنزع الحماية عن المدنيين، وتجريم هوياتهم الجماعية، وجعل استباحتهم أمراً مبرراً أمام الرأي العام.
Read it in English….



