تقارير

حزب البعث والنقابات، حكاية التغول الأمني وفرض الولاءات!!

أعادت قضية فصل المعلم “صدام النجم” من محافظة السويداء تعسفياً وبقرار ينطوي على أوامر أمنية، نتيجة مشاركته بالاحتجاجات الشعبية، فتح ملف التغلغل البعثي في مفاصل القرار المؤسساتي والنقابي في سوريا إلى الواجهة، لتصبح قضية رأي عام أثارت سخط الحراك السلمي وحاضنته الشعبية.

حالة مدرس اللغة العربية “النجم” واحدة من مئات وربما آلاف الحالات على امتداد سوريا منذ سبعينيات القرن الماضي بعد انقلاب السادس عشر من تشرين الثاني 1970 الذي عومه البعثيون الموالين للأسد تحت اسم (الحركة التصحيحية) والذي قلب الحياة السياسية في البلاد رأساً على عقب، من دولة تمتاز بالتعددية السياسية، إلى بلاد يحكمها حزب واحد ويقود مؤسساتها، ويبطش بكل من ينتقد سياسته.

خلال السنوات الستين الأخيرة فرض حزب البعث نفسه، كعرّاب لتسيير الأمور وتنظيمها في البلاد، وتفرد بمفاصل القرار المؤسساتي والنقابي، مستنداً في ذلك على المادة الثامنة التي أضيفت إبان الإنقلاب لتجعل منه الحزب “القائد للدولة والمجتمع”، فكان ما كان، وأصبح الانتماء لحزب البعث شرطاً حاسماً للوظائف الحكومية، إن لم يكن ذلك ملزماً في غالبية الحالات، حيث وضعت الأطر والقوانين الناظمة للنقابات والمنظمات حزب البعث مكانة القدوة في تحديد أهدافها لينص الهدف الأول في مختلف النقابات على “النضال من أجل تحقيق المجتمع العربي الاشتراكي الموحد بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي”، فيما لم تخلُ البنود الأخرى من المصطلحات التي ترسخ السيطرة البعثية حتى على أنفاس المواطن -إن جاز التعبير.

يقول مدرس الفيزياء “عصام خداج”، الذي تعرض للفصل تعسفياً، وتم التنكيل به على خلفية مواقفه المناهضة لسياسات السلطة، في تصريح للراصد: “في كل الدول هنالك مشروعية لأي حزب يصل للسلطة أن يقدم رؤيته وخططه ويعمل على أرض الواقع كي يثبت مفعولها، لكن لم يحدث في الدول التي تحترم حق المواطنة أن تدخل الحزب الحاكم فيها بأدق تفاصيل العيش أو التفرد بمفاصل القرار في المؤسسات الحكومية أو الجمعيات والمنظمات والنقابات المدنية، ولم يفرض أي حزب في تلك الدول لونه الواحد على المجتمع ككل. لكن في الحالة السورية فإن البعث سيطر على المؤسسات العسكرية والأمنية وجيرها لخدمته، وبالتالي سيطر على كل شيء وألغى الذات المؤسساتية في عموم البلاد، وبالتالي صحر الفكر، وقيد الأداء، وعطل التقدم، وألغى التنوع، وجعل كل مقدرات البلاد والقرار بيد السلطة الحاكمة من أصغر التفاصيل حتى أهمها”.

ويضيف “خداج”؛ “إن البعث ارتكز على ثلاث مرتكزات لترسيخ استبداده وهي الجهل والخوف والجوع، والتي لايزال يحاول تكريسها. مشيراً إلى أن التسلط على النقابات التعليمية والحقوقية كان الهدف الأول بعد السيطرة على العسكر، حيث استطاع الحزب جعل النقابات والمؤسسات والنقابات التعليمية ذات مهمة تربوية (حزبية) تصنع أفراداً آليين ممنوع عليهم التفكير بأكثر مما يلقنون من ولاء للحزب والسلطة وحجمت الفكر بلبوس الولاء هذا. لتنتقل بعدها للمؤسسات والنقابات الحقوقية لترسيخ الخوف بذراع القانون وجعلت من الولاء لها مقياساً للقانون والوطنية. بالمحصلة أعدم المعرفة وهو الأمر الأكثر خطورة على أي مجتمع.

قادت نقابة المحامين بدمشق عام 1978 حراكاً نقابياً طالب برفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العُرفية واحترام حقوق الإنسان وإطلاق الحريات العامة، وتعديل سلوك السلطة حينها. لتسارع سلطة البعث على إثر ذلك لحلّ نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين وإعادة تشكيلها وفق مخطط رسخ “حزب البعث” كقائد لها، وأسهم بتحويلها لفروع مصغرة له، وقضى على استقلاليتها، ليستمر في السيطرة عليها حتى اليوم.

وبعد نحو عام على انطلاق الاحتجاجات في سوريا، وبمحاولة لتخفيف الضغط الدولي، جاء قرار السلطات لتعديل الدستور عام 2012، لتلغى المادة الثامنة منه والتي جعلت البعث لخمسين عاماً قائداً دستورياً للدولة والمجتمع، وتم تعديل المادّة العاشرة لتنص على “استقلال النقابات والاتّحادات المهنية”، لكن التعديل بشقيه لم يكن أكثر من إجراء شكلي على الدستور وبقي البعث مسيطراً على البلاد والواقع النقابي.

وعندما طرحت الحكومة التَوجُّه نحو الإصلاح النقابي من خلال “القانون الموحد للنقابات” عام 2018، ظللت مؤتمرها براية “البعث” وعممته على النقابات عن طريق الحزب ذاته.

استمرار التغول البعثي برعاية أمنية على النقابات، حيد التفكير لدى شريحة واسعة من أصحاب المهن بالانتساب لهذه النقابات، كونها “لاتنفعهم” بحسب استطلاع رأي أجراه الراصد وشمل شريحة أغلبها من أصحاب المهن التي لا تكترث بالوظائف الحكومية.

التاجر والناشط المدني “معن العفلق” قال للراصد: “الحمدلله، لم أنتسب يوماً لأي نقابة، فهي ليست أكثر من منظومة تابعة للحزب والسلطات الأمنية ومرتهنة لها ومسيرة من قبلها لا تحمي منتسبيها ولا تدافع عن حقوقهم”.

وأضاف “العفلق”؛ إننا في بلد تحكمه الأفرع الأمنية والتي تعامل القوانين والنظم كمطية لها، لاتطبق إلا على الضعفاء المغلوب على أمرهم. مشيراً أنه لا يوجد حل قريب وسيستمر ذلك التغول طالما أن القانون مغيب.

لم تستطع النقابات آداء الدور المنوط بها والمنصوص عليه في نظمها الداخلية، في حماية أعضائها والدفاع عن مصالحهم، ولم تكن أكثر من وسيلة ضغط عليهم لمساندة السلطات، وحق التقاضي للمفصولين تعسفياً والذي تضمنه النصوص لم يطبق بحجة دستوريته.. فكيف ذلك؟.

يقول المدرس “عصام خداج”؛ إن الصلاحيات التي صادرتها السلطة التنفيذية من السلطتين التشريعية والقضائية، جعلتها الخصم والحكم للموظفين ومنتسبي النقابات، حيث تغولت على صلاحياتهما ومنحت نفسها الحق بإقصاء أي موظف أو نقابي من وظيفته وعضويته دون ذكر أسباب الإقصاء، فيما سمحت بحق التقاضي ولكن من مبدأ شكلي، حيث ردت معظم القضايا شكلاً من قبل القضاء الذي يأتمر غالباً في مثل هذه القضايا بأوامر السلطة التنفيذية والأمنية وحزب البعث.

حيث تنص الفقرة (أ) من المادة 138 من قانون العاملين بالدولة بأنه “يجوز بمرسوم، صرف العامل من الخدمة بدون ذكر الأسباب التي دعت لهذا الصرف، وتصفى حقوق العامل المصروف من الخدمة وفقاً للقوانين النافذة”. وقد جعلت السلطة التنفيذية من هذا القانون سيفاً مسلطاً على رقاب المناهضين لسياساتها من الموظفين، فبينما يتحدث البعث بأنه حزب العمال، يشترط على هؤلاء العمال الطاعة فهو يراهم كوادراً وعبيداً وليسوا شعب، وبالتالي جل ما ينبغي أن يفعلوه هو الطاعة وأي عامل يرفض طاعة هذا البعث فهو متهم بالعمالة للخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى