الدوام حتى الرابعة عصراً .. الالتزام الوظيفي يتحول إلى معضلة معيشية وأسرية

الراصد – غيداء الصفدي
بين راتب بالكاد يكفي إيجار المنزل، وأطفال ينتظرون عودة والدتهم من العمل، تجد موظفات في القطاع العام أنفسهن أمام معادلة صعبة بعد صدور قرار رسمي يقضي بتحديد ساعات الدوام في الجهات العامة من الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً، اعتباراً من الأول من كانون الأول المقبل.
تقول سناء، وهو اسم مستعار بناءً على طلبها، في حديثها مع #الراصد إن قرار تمديد الدوام وضعها أمام طريق مسدود الأفق، فهي أم لثلاثة أطفال وموظفة حكومية منذ 12 عاماً، فيما يعمل زوجها في الأعمال الحرة.
منذ عام ٍ،استأجرت الأسرة شقة مقابل مليون ليرة سورية شهرياً، قبل أن يقرر مالكها رفع الإيجار عندما علم بزيادة الرواتب. وبعد مفاوضات، اتفق الطرفان على بدل شهري قدره 125 دولاراً، وهو مبلغ يستنزف راتب سناء، حتى بعد الزيادة الأخيرة، فيما يتولى زوجها تأمين بقية نفقات الأسرة.
تكمن المشكلة بالنسبة إليها في أن أبناءها الثلاثة، أكبرهم في الصف السابع وأصغرهم في الصف الأول، اعتادوا عودتها من العمل عند الواحدة ظهراً. ولعدم وجود أقارب للأسرة في المدينة، كانت تتولى استقبالهم وإعداد الطعام ومتابعة دراستهم، بينما يعود زوجها إلى المنزل قرابة السادسة مساءً.
أما مع تمديد الدوام حتى الرابعة عصراً، فتجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر : «كيف سندفع إيجار الشقة إذا تركت الوظيفة؟ وإذا بقيت في عملي، كيف سأطمئن على أطفالي وحدهم في المنزل وهم لا يزالون صغاراً؟».
سناء ليست وحدها في هذه المعضلة، فهناك كثير من الموظفات اللواتي يتحملن مسؤولية الرعاية الأسرية، في وقت لا تسمح فيه الأوضاع المعيشية بتوفير بدائل مناسبة.
راتب محدود مقابل كلفة عالية للوصول إلى العمل
يضيف تمديد الدوام أعباء أخرى إلى الموظفين/ات، ولا سيما أن الزيادة الأخيرة على الرواتب، التي قُدّرت بـ 50%، لم تبدد الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
فرواتب شريحة كبيرة من العاملين في القطاع العام لا تزال عند حدود مليون ونصف مليون ليرة سورية، أي ما يقارب مئة دولار، وهو مبلغ لا يكفي في حالات كثيرة لتغطية تكاليف السكن والمعيشة الأساسية.
وتشكل أجور النقل جزءاً إضافياً من هذه الأعباء. فأجرة السرفيس تعادل خمسة آلاف ليرة للرحلة الواحدة، يدفع الموظف الذي يحتاج إلى وسيلة نقل واحدة للوصول إلى عمله والعودة منه نحو عشرة آلاف ليرة يومياً.
ومع احتساب 24 يوم عمل شهرياً، تصل النفقات إلى 240 ألف ليرة، أي ما يعادل نحو 16% من راتب يبلغ مليوناً ونصف المليون ليرة.
أما الموظف الذي يحتاج إلى سرفيسين في كل اتجاه، فتبلغ كلفة تنقله اليومية نحو عشرين ألف ليرة، لترتفع شهرياً إلى 480 ألف ليرة، أي ما يقارب 32% من راتبه.
ولا تشمل هذه الحسابات نفقات الطعام أو احتياجات الأسرة أو فواتير الخدمات والالتزامات الأخرى، ما يجعل الذهاب إلى العمل والعودة منه عبئاً مالياً ملموساً، خصوصاً لمن يضطرون إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل.
وبذلك، لا يقتصر أثر تمديد الدوام على الوقت الذي يمضيه الموظف خارج منزله، بل يمتد إلى ميزانيته الشهرية، من دون أن يقابله تحسن موازٍ في الأجر.
العمل الإضافي لمواجهة الغلاء
لم يعد الراتب الحكومي، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الموظفين، مصدراً كافياً لتأمين متطلبات المعيشة. لذلك يلجأ كثيرون إلى أعمال إضافية بعد انتهاء دوامهم، في محاولة لتعويض النقص في الدخل.
لكن تمديد ساعات العمل قد يضع هؤلاء أمام مفاضلة صعبة، فإما التخلي عن مصدر الدخل الإضافي، أو الاستمرار في العمل لساعات أطول على حساب الراحة والصحة والحياة الأسرية.
وتبدو التداعيات أكثر وضوحاً لدى الموظفات، ولا سيما الأمهات، اللواتي يواجهن مسؤوليات لا تنتهي بانتهاء الدوام الرسمي.
إضافة إلى أن الوضع الأمني في السويداء يخلق هاجساً لدى الأهالي عند ترك اطفالهم وحدهم في المنزل.
وتحت ضغط هذه الظروف، قد تفكر بعض الموظفات بالاستقالة، عندما تصبح كلفة الاستمرار في الوظيفة، مادياً وأسرياً، أكبر من العائد الذي يوفره الراتب. غير أن الاستقالة لا تعني خسارة دخل فردي فحسب، بل قد تحرم الأسرة مورداً تحتاج إليه لمواجهة تكاليف المعيشة، في ظل محدودية فرص العمل.
هل القرار لزيادة الإنتاجية أم لتمرير ساعات العمل؟ وماذا عن المؤسسات المتضررة؟
تواجه أغلب المؤسسات الحكومية في السويداء تحديات استثنائية تتجاوز مسألة الالتزام بمواعيد الحضور والانصراف.
فالقرار الذي يستهدف تنظيم الدوام وضبطه، يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية المؤسسات لتطبيقه، والجدوى الفعلية من زيادة ساعات وجود الموظفين في أماكن عملهم، في ظل واقع إداري وخدمي لم يتعافَ بعد من تداعيات ما تعرضت له المنشآت الحكومية من نهب وتخريب وحرق أثناء اجتياح تموز 2025،
فقد طالت الأضرار عدداً من المديريات والمؤسسات العامة، وشملت المكاتب والتجهيزات والحواسيب ووسائل النقل، ما انعكس مباشرة على سير العمل وقدرة الدوائر على تقديم خدماتها. ومع فقدان تجهيزات أساسية وتعطل وسائل نقل كانت تؤمن وصول الموظفين، اضطرت بعض المؤسسات إلى اعتماد المناوبات أو تقليص الحضور، فيما استمرت دوائر أخرى بتسيير معاملاتها عبر الإجراءات الورقية والخدمات الأساسية.
في مثل هذه الظروف، لا تبدو زيادة ساعات الدوام كافية بحد ذاتها لتحسين الأداء. فوجود الموظف ثماني ساعات في مكتب يفتقر إلى الكهرباء والتدفئة والمياه والتجهيزات اللازمة لا يعني بالضرورة ارتفاع الإنتاجية، كما أن ضبط الحضور والانصراف لا يضمن تحسن جودة الخدمات أو سرعة إنجاز معاملات المواطنين.
جهاز البصمة لضبط الدوام
شهدت معظم مؤسسات الدولة ترهلاً إدارياً ووظيفياً في أغلب دوائرها نتيجة عوامل عدة تراكمت مع السنين، لكن اختزال الإصلاح الإداري في زيادة ساعات الدوام أو اعتماد نظام البصمة الذي يتداول الموظفون تطبيقه قريباً في المؤسسات، يغفل جوانب أساسية من المشكلة. فالإنتاجية لا تقاس بعدد الساعات التي يقضيها الموظف داخل مكتبه، بل بحجم العمل المنجز وجودته، وسرعة معالجة معاملات المواطنين، وقدرة المؤسسة على تقديم خدماتها بفاعلية.
كما أن تحسين الأداء يتطلب معالجة الاختلالات التي تعوق العمل من أساسها، بدءاً من زيادة الرواتب وإعادة تأهيل المباني واستعادة التجهيزات المفقودة، مروراً بتأمين الكهرباء والمياه والتدفئة ووسائل النقل، وصولاً إلى تحديث أنظمة العمل الإلكترونية وتحديد الاحتياجات الفعلية لكل مديرية.
في المحصلة، لا يتوقف أثر تمديد الدوام عند حدود الموظف ومكان عمله، بل يمتد إلى الأسرة التي تنتظر عودته، وإلى ميزانية شهرية مثقلة بالإيجارات والمواصلات وارتفاع الأسعار. وبين دخل لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية ومسؤوليات أسرية لا يمكن تأجيلها، يجد الموظف نفسه مطالباً بمزيد من الوقت والجهد لكن دون أفق بتحسن الظروف والمعيشة.



