
لا يمكن قراءة ما يجري اليوم بمنطق الأرقام أو موازين الغلبة التقليدية. فثمة جماعات في التاريخ السياسي لا تُعرّف بحجمها العددي بقدر ما تُعرّف بطبيعة مواقفها، وبالخطوط التي ترفض تجاوزها. وفي الحالة الدرزية، تبدو الكرامة ليست مجرد قيمة رمزية، بل معياراً فعلياً يُحدد السلوك الجماعي ويضبط العلاقة مع أي سلطة.
على امتداد عقود، لم تكن محاولات الاحتواء أو الإخضاع غائبة، لكن النمط المتكرر كان مختلفاً، كل محاولة فرض واقع بالقوة كانت تقابل بإعادة إنتاج موقف مضاد، يعيد رسم حدود العلاقة. هذا لا يعني غياب التفاوت في موازين القوة، بل يعني أن هذه الموازين لم تكن كافية لفرض خضوع مستدام.
النتيجة كانت دائماً علاقة متوترة، أقرب إلى شدّ وجذب مستمر، بين سلطة تسعى إلى الضبط ومجتمع يصرّ على الحفاظ على هامش قراره.
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع خروج الأهالي في جرمانا وأشرفية صحنايا لإحياء ذكرى شهدائهم كحدث عابر أو مجرد فعل رمزي. ما يظهر في هذه المشاهد هو حضور ذاكرة لم يتم تفكيكها أو احتواؤها، بل بقيت فاعلة في المجال العام. وهذا بحد ذاته مؤشر على فشل أي خطاب يسعى إلى إغلاق الملفات عبر إعلان “الاستقرار” أو الترويج لفكرة تجاوز الماضي دون مسار حقيقي للمحاسبة أو الاعتراف.
الأهم أن هذه التحركات تكسر إطاراً جغرافياً ضيقاً حاولت بعض السرديات تكريسه، حين جرى تصوير الرفض وكأنه محصور في منطقة بعينها. ما يحدث اليوم يوحي بأن المسألة أوسع، وأنها مرتبطة ببنية وعي جماعي يتجاوز الحدود الإدارية، ويتغذى من تجربة مشتركة ومنظومة قيم متقاربة.
كما أن هذه الديناميات لا يمكن فصلها عن طبيعة البيئات التي تتآكل فيها الثقة بالسلطة وقدرتها على تحقيق العدالة. ففي ظل غياب هذه الثقة، تبقى الذاكرة الجماعية مشبعة بتجارب غير مُنصَفة، ما يجعل من أي مناسبة إحيائية فعلاً يتجاوز البعد الرمزي إلى كونه مساحة لإعادة طرح القضايا العالقة. بذلك، لا يعود استحضار الماضي مجرد استذكار، بل يتحول إلى أداة ضغط تعيد فتح ملفات لم تُغلق فعلياً، وتطرح تساؤلات مستمرة حول المسؤولية، وإمكانية بناء ثقة عامة في ظل الشك العميق بقدرة الجهات القائمة على إنصاف الشهداء أو محاسبة المسؤولين.
تُظهر هذه التحركات أيضاً أن المجتمعات المحلية قادرة على إنتاج أدواتها الخاصة في التعبير والضغط، حتى في ظل بيئات سياسية مقيّدة. فحين تغيب القنوات الرسمية أو تفقد مصداقيتها، تتحول الذاكرة إلى مساحة بديلة للفعل العام، وتصبح المناسبات التذكارية منصات لإعادة صياغة الخطاب الجماعي.
في المحصلة، تكشف هذه الوقائع عن معادلة معروفة لكنها كثيراً ما يتم تجاهلها، يمكن فرض ترتيبات بالقوة لفترة محدودة، لكن استدامتها تبقى رهناً بقبول اجتماعي لا يمكن انتزاعه بالقسر. وعندما تكون الكرامة جزءاً مركزياً من هذا القبول، فإن تجاهلها لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى إعادة إنتاج التوتر بأشكال مختلفة.
ما حدث البارحة ليس مجرد تفاعل مع حدث راهن، بل تعبير عن صراع أعمق على تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وعلى الحدود التي لا يمكن تجاوزها دون كلفة مستمرة. وانطلاقاً من قناعة المجتمع، أنه لا يمكن لمجرم أن يحاسب شريكاً، تبقى هذه التحركات بمثابة تذكير دوري بأن القضايا المؤجلة لا تختفي، بل تعود بأشكال أكثر تعقيداً، وأن أي استقرار حقيقي لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس وجود سُلطة تعترف وتُسائل، لا على محاولة طيّ الصفحات دون معالجتها.



