تحقيقات
أخر الأخبار

بيت العمر.. شُيّد بالمراسلة من ثلاث عواصم ودمرته ليلة واحدة 

 

 

بيت العمر.. شُيّد بالمراسلة من ثلاث عواصم ودمرته ليلة واحدة 

ثلاثون عاماً من الاغتراب والعمل الشاق لبناء منزل عائلة “أبي سعيد” في ريف السويداء، وثّقتها أشرطة كاسيت ورسائل هاتفية. اكتمل الحلم في نيسان/أبريل 2025، قبل أن تحيله المعارك إلى رماد بعد أسابيع، فلا يبقى منه سوى أرشيف صغير من الذكريات.

علي الحسين 

من داخل ملحق مستأجر متهالك في أطراف المدينة، لا تتجاوز مساحته غرفتين متداخلتين مع مطبخ وحمام بلا موزع، يستقبل الرجل الستيني “أبو سعيد” ضيوفه باعتذار يختزل التغير الجذري في حال العائلة: “مية أهلا وسهلا.. لا تواخذني البيت ما فيه مضافة”.

 لضيق مساحة الملحق، تمضي العائلة بعض وقتها هرباً من الاختناق في حديقة صغيرة محاذية، تجلس فيها عائلات نازحة من ريف السويداء الشمالي والغربي. يشير “أبو سعيد” بعكازه إلى ساحة الحديقة قائلاً: “شايف هالمساحة كلها؟ هيك كانت تقريباً مساحة بيتنا والمضافة.. الآن لما نقعد بالملحق هون، منحس حالنا عم نتنفس من خرم إبرة”.

كان بناء ذلك البيت قد امتد على مدى ثلاثة عقود، وأُديرت تفاصيله وقراراته ومصاريفه عن بُعد، في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة متاحة كما هي اليوم.

يوضح “أبو سعيد” أن غياب الهواتف الأرضية في قرية المزرعة آنذاك دفعهما إلى تسجيل تفاصيل وقرارات البناء على أشرطة كاسيت صوتية كانا يتبادلانها عبر المسافرين طوال عقد التسعينيات، قبل أن تحل الرسائل النصية مكانها، ثم محادثات التطبيقات الذكية. ويشير إلى أن قسماً من تلك الأشرطة، إلى جانب هواتف خلوية قديمة تعود لعقدين مضيا، لا يزال متروكاً في منزل العائلة القديم بالأطراف الغربية لمدينة السويداء.

الأشرطة قبل إصلاحها

 

نجا جزء من هذا الأرشيف، وظل محفوظاً في منزل شقيقة الزوج في الأطراف الغربية للمدينة. تضمنت الموجودات اثني عشر شريط كاسيت وعدة هواتف خلوية قديمة من أجيال متلاحقة. وبعد محاولات لصيانة الأشرطة واستعادة ما أمكن من محتواها، تحولت هذه القطع المهملة إلى أرشيف حي يوثق بصوت العائلة مراحل بناء المنزل المحترق، وتفاصيل من حياتها خلال تلك السنوات.

بحسب أبي سعيد وزوجته، تعود الجذور الأولى لفكرة بناء المنزل إلى عام 1986، وهي فترة تقاطعت مع أزمة اقتصادية خانقة كانت تمر بها سوريا في عهد حافظ الأسد.

مع تراجع قيمة الليرة السورية وارتفاع تكاليف المعيشة خلال تلك السنوات، كان “أبو سعيد” يعمل في مهنة “الطينة” (اللياسة). وبات أجره بالكاد يكفي الاحتياجات الأساسية لزوجته وطفليهما، سعيد وسعد.

زاد من صعوبة الظروف السكن المشترك في دار العائلة بأطراف المدينة، والتي كانت تضم ثلاث أسر إلى جانب الوالدين. أمام هذا الضيق، بدأت فكرة إنشاء بيت مستقل تراود الزوجة، فدفعت “أم سعيد” باتجاه شراء أرض في القرية الأم والبدء بتشييد منزل من الصفر.

ولأن الدخل المحلي لم يكن كافياً لتمويل البناء، اختار “أبو سعيد” الاغتراب. وفي أواخر عام 1991، حزم حقائبه متوجهاً إلى المملكة العربية السعودية للعمل كمراقب عمال بناء. واستمرت هذه المحطة الأولى حتى عام 1999، وكانت حوالاته المصدر الرئيسي لتمويل حفر الصخر وصب القواعد وتشييد هيكل الطابقين.

مع سفر الزوج، بدأت ورشة بناء حقيقية أدارتها الزوجة على الأرض. تحولت “أم سعيد” إلى محاسبة ومراقبة للعمال؛ تتابع شراء الأرض ومواد البناء، وتشرف على تكسير الصخر البازلتي القاسي لتأسيس القواعد، وتحاول توزيع الحوالات الأولى بين حاجات الأسرة وتكاليف البناء. وفي نهاية كل تسجيل، كانت تفسح مساحة صغيرة لحديث طفليهما مع أبيهما. وهذا ما يوثقه أحد الأشرطة المرسلة في تموز/يوليو 1992.

تروي “أم سعيد” تفاصيل المرحلة الأولى في أواخر صيف عام 1992، حين اصطدمت ورشة البناء بأزمة انعدام المياه اللازمة لصب الأساسات.

فرضت هذه العقبة تعديلاً عاجلاً على خطة العمل، تمثل في حفر خزان مياه أرضي كخطوة استباقية قبل التفكير في رفع جدران الطابق الأول. وتصف وجودها الميداني مع العمال منذ الفجر لخلط الإسمنت يدوياً، ومواظبتها لاحقاً على رش الأعمدة بالماء صباحاً ومساءً لضمان تماسكها.

مع توالي سنوات البناء البطيئة، كان الأطفال يكبرون بالتوازي مع ارتفاع الجدران. ومن ذاكرة تلك المرحلة، تنقل “أم سعيد” مشهداً لطفلها “سعيد”، الذي كان يركض بين الأعمدة الإسمنتية المرفوعة للتو، مستخدماً قطعة طباشير ليخط عليها علامات تقيس تطور قامته.

وكما ارتفعت خطوط الطباشير ببطء على الإسمنت لتوثق نمو الطفل، تبدل إيقاع الحياة بحلول عام 1994. فبعد عامين على السفر، بدأت الرسائل الصوتية، التي كانت مشحونة بقلق التأسيس وتكسير الصخر، تحمل نبرة مختلفة؛ إذ صار تعب الغربة يظهر تدريجياً في ما أنجز من البيت.

في الشريط الجديد، لا يقتصر الحديث على ما تم إنجازه من بناء فحسب، بل ينسحب إلى تفاصيل أخرى تكشف كيف تتمدد أحلام العائلات حين يتوفر فائض بسيط من المال. 

تتبدل الأولويات، وتتسع النظرة من مجرد سقف يأويهم إلى التفكير في الأرض، وفي تفاصيل المنزل التي تتغير مع نمو الأطفال وتبدل حاجات الأسرة. وكما يوثق الصوت تفاصيل التشييد، يوثق أيضاً محاولات أم سعيد المستمرة لضبط المصاريف ومواجهة الغلاء.

في عام 1995، وبينما كانت تنظر إلى بيوت المدينة، تستعيد “أم سعيد” تفاصيل الهندسة الداخلية لمنزلها. في تلك السنة بدأت مرحلة تقسيم الجدران الداخلية بالطوب، بالتوازي مع نقاشات متواصلة مع زوجها حول تفاصيل المنزل. كان يوصي بتوسعة المطبخ وتزويده بنافذتين غربيتين لتأمين تهوية جيدة، إلى جانب تخصيص مكان لمدفأة حطب في المضافة.

وتستعيد أم سعيد المشقة التي كابدتها مع والد زوجها في حمل الطوب ورفعه على السقالات لبناء المدخنة، قائلة إنها كانت تشعر بأنها تضع قطعة من عمرها مع كل صف من الطوب يرتفع في المنزل.

بحلول أيار من عام 1996، فرضت تكاليف الإكساء الباهظة على العائلة التوقف عن استكمال الجدران الداخلية، قابلتها أم سعيد بتحويل دائرة نشاطها باتجاه الأرض. انتقلت ورشة العمل من داخل غرف الإسمنت إلى المساحة الترابية، لتبدأ لتأسيس مورد زراعي يسند العائلة.

في المقلب الآخر من الشريط، يصل صوت “أبي سعيد” حاملاً أخباراً غير سارة من مكان عمله في السعودية. توقف تدفق الأموال التي كانت تموّل ورشة البناء في السويداء، فطلب من زوجته إيقاف العمل في المنزل مؤقتاً وتقليص المصاريف إلى الحد الأدنى.

تحتفظ سنة 1997 بلحظة مختلفة عن بقية سنوات الغياب، تمثلت في إجازة خاطفة لم تتجاوز عشرين يوماً. عاد خلالها “أبو سعيد” ليتفقد ما شُيّد خلال سنوات الغياب، وليواجه منزله للمرة الأولى وجهاً لوجه، بعيداً عن أشرطة التسجيل والصور.

يستعيد الرجل لحظة وصوله في عتمة المساء، حين كان الطابق الأول لا يزال هيكلاً على العظم، تصفر الريح بين زواياه الخالية من الأبواب والنوافذ. ترجل من السيارة وتوجه نحو المساحة المخصصة للمضافة، وراح يتحسس الجدران ويمسح وجهه بغبارها، قبل أن تغلبه دموعه مع فكرة أنه قد لا يسكن هذا البيت يوماً.

لم يطل صمته في تلك العتمة، حتى اقترب منه والده وأمسك بيده محاولاً تبديد مخاوفه، قائلاً: “يا بيي تبكيش، هالحجار بكرا بتتطين وبتندهن، ورح تعزم البلد كلها ع هالمضافة”.وبعد انتهاء تلك الإجازة السريعة وعودة الرجل إلى غربته، عاد شريط الكاسيت ليكون وسيلة الاتصال الوحيدة، وحمل في تسجيلاته اللاحقة أنباء عن انفراجات مالية سمحت باستئناف البناء والتوسع في الأراضي المحيطة بالمنزل.

في العام التالي، بدأت أم سعيد أعمال إكساء الطابق الأول، وهو ما يوثقه الشريط المرسل في تشرين الأول/أكتوبر 1999.

مع دخول الألفية الجديدة، طرأ تغيير على طبيعة التواصل. حلت الرسائل النصية القصيرة (SMS) مكان أشرطة الكاسيت، لترافق “أبا سعيد” في تنقلاته المستمرة بين ورشات بيروت والرياض وطرابلس الليبية، بغية تأمين تكاليف الإكساء الداخلي وتوفير نفقات تدريس الأبناء.

شيئاً فشيئاً، تحولت تلك الرسائل إلى محاضر متابعة يومية لتفاصيل التشطيبات والمواسم الزراعية. وعلى مدار سنوات امتدت بين عامي 2003 و2006، بدأت ملامح البيت تتضح أكثر مع استكمال أعمال التبليط وتركيب النوافذ الخشبية، في خطوة تزامنت مع فرحة العائلة بدخول الابن البكر كلية الهندسة في دمشق.

ولم تتوقف رحلة الغربة عند هذا الحد؛ ففي عام 2008، انتقل الأب إلى طرابلس الغرب لتأمين أثاث الطابقين وتجهيز المطبخ. استمر هذا الجهد الدؤوب حتى أواخر عام 2010، حين اكتمل تأثيث المنزل بالكامل، وبدا أن العائلة تقف أخيراً على عتبة الاستقرار النهائي.

غير أن مساعي الاستقرار اصطدمت بواقع مختلف. فمع اندلاع الاضطرابات في ليبيا عام 2011، تعثرت خطط العودة، واحتُجز الأب لنحو عامين في جبال غريان قبل أن يتمكن من التوجه مجدداً للعمل في لبنان. ورغم تلك الانتكاسات، لم يتوقف العمل في المنزل؛ ففي عام 2015، تولى الابن المهندس مهمة الإشراف على إكساء الواجهات الخارجية بالبازلت الأسود، وتم ذلك بصعوبة بالغة في ظل تعطل الحوالات المالية نتيجة تصاعد التوترات. الأمنية ووفاة الجدة.

توالت السنوات ثقيلة على المنطقة. ففي صيف عام 2018، وتحديداً مع الهجوم الواسع الذي شنه تنظيم “داعش” على قرى الريف الشرقي للسويداء في 25 تموز/يوليو، أخذ المنزل دوراً جديداً، إذ تحولت مضافته المشيدة حديثاً إلى نقطة إيواء ومساندة للعائلات الوافدة والشباب المرابطين على أطراف المنطقة.

ومع دخول عام 2019، فرضت الظروف الخدمية أعباءً إضافية. أدى انهيار شبكة الكهرباء العامة، وبلوغ ساعات القطع نحو 22 ساعة يومياً، إلى استنزاف جزء إضافي من مدخرات العائلة لتركيب منظومة طاقة بديلة. ومع اشتداد الخناق وانسداد الآفاق المهنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية بحلول عام 2022، وجدت الأسرة نفسها مجبرة على نقل إقامتها بالكامل إلى بيروت لتفادي نفقات إدارة منزلين. هكذا، غادرت العائلة تاركة وراءها منزلاً مكتملاً، محتفظة بشعور الأمان بوجود جدران تؤويها متى قررت العودة، بحسب وصف “أم سعيد”.

جاء شهر نيسان/أبريل من عام 2025 حاملاً بارقة أمل، إذ عادت العائلة إلى قريتها في الريف الغربي للسويداء لتسكن أخيراً في ذلك المنزل الذي استغرق تشييده ثلاثة عقود. لكن هذا الحلم المكتمل لم يدم طويلاً. ففي تموز/يوليو 2025، تبدد كل شيء حين بدأت قوات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية  في الحكومة الانتقالية هجومها على الريف الغربي، لتمتد المعارك سريعاً وتصل إلى مشارف بلدة المزرعة.

خلال دقائق معدودة، اقتربت أصوات هدير المحركات وصيحات المهاجمين، لتصبح على مسافة قريبة جداً من الجدران. في تلك اللحظة، وجد أفراد العائلة أنفسهم أمام خيار المغادرة الفورية. 

تستذكر “أم سعيد” المشهد قائلة: “فات سعد عم يصرخ فينا: بيي إمي جهزوا حالكم لتطلعوا من البلد، العمر يا بيي أهم من الحجر، عم يقتلوا ويحرقوا البيوت”.

لم يكن هناك متسع للتفكير. خرجت العائلة مسرعة عبر الباب الخلفي المؤدي إلى الدونمات الأربعة المحيطة بالمنزل، وزحف أفرادها بحذر بين أشجار الزيتون واللوز للنجاة بأرواحهم، ليتلقى الأب لاحقاً نبأ احتراق منزله بالكامل عبر أحد شبان البلدة، الذين كانوا يراقبون سقوطها بيد المهاجمين.

اليوم، تجلس “أم سعيد” على مقعد خشبي في الحديقة العامة، وتختتم القصة بالقول: “بيقولوا الحجر بيتعوض.. بس المضافة اللي استقبلت الناس، والحيطان اللي سجلت ضحكات الولاد، والبيت اللي تعب فيه صحابه 30 سنة وسكنوا فيه أسابيع معدودة.. هذول كيف بيتعوضوا؟”.

في النهاية، لم يبقَ من هذا المنزل سوى أشرطة الكاسيت ورسائل الهاتف القديمة. هو أرشيف بسيط يوثق تفاصيل عمر كامل ضاع تعبه. لتعود العائلة مجدداً إلى نقطة الصفر داخل ملحق مستأجر على أطراف المدينة، تاركة خلفها في قرية المزرعة ركاماً كان يوماً ما حلم العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى